إعلانات

أحدث المشاركات

إعلان أعلى المشاركات

الأحد، 23 فبراير 2020

هوَ اللَّطيفُ، فكَم لِلّهِ مِن لُطفٍ خَفيّ.


"بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيم"

" هوَ اللَّطيفُ،فكَم لِلّهِ مِن لُطفٍ خَفيّ "

اللطيف هو الله,فكم لله من لطف خفي.

بسم الله والصلاة والسلام علي أشرف الخلق سيدنا،ونبينا،وقدوتنا محمد(صلي الله عليه وعلي آله وصحبه وسلم) أما بعد:اللَّطيف هو اسم من أسماء اللهِ -عزَّ وجل-،ومن محبة الله-سبحانه-لعباده أنَّه لطيفٌ بهم في كل الأمور،ودائمًا ما يكونْ لطف الله مصاحبًا لعبادهِ سواء أشعرنا بهذا اللُطف أمْ لم نشعر،فإنْ حفَّ اللهُ العبدَ بلطفه أنس هذا العبد الضعيف بمشاهدة ألطاف الله به في أقداره كما أنس يونس-عليه السلام-بلطف الله في ظلمتي الحوت والبحر،وكما أنس موسي-عليه السلام-في اليَم،وكما أنس يوسف-عليه السلام-في ظلمتي البئروالسجن،فمشاهدة ألطاف اللطيفِ أنسٌ للعبد الضعيفِ.

|معني اللَّطيف

*قال الخطابي-رحمه الله-(١):اللطيف هو البَرُّ بعباده،الذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون،ويسبِّب لهم من مصالحهم من حيث لا يحتسبون، كقوله -سبحانه- :﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ.﴾ (سورة الشورى:١٩).

*قال الشوكاني-رحمه الله-(٢):إنَّ اللهَ لطيفٌ لا تخفى عليه خافية؛بل يصل علمه إلى كل خَفي.*
*قال السعدي-رحمه الله-(٣):اللَّطيف هو الذي لَطُفَ علمه حتى أدرك الخفايا،والخبايا،وما احتوت عليه الصدور،وما في الأراضي من خفايا البذور.
*قال أبو إسحاق الزجاج-رحمه الله-(٤):اللطيف فِي وصف الله يُفِيد أنَّه المحسن إِلَى عباده فِي خَفَاء وَستر من حَيْثُ لَا يعلمُونَ ، ويسبب لَهُم أَسبَاب معيشتهم من حَيْثُ لَا يحتسبون.
*قال ابنُ القيم-رحمه الله-(٥):اسم اللطيف يتضمن علمه بالأشياء الدقيقة،وإيصاله الرحمة بالطرق الخفية،وقد قال ابن القيم متحدثًا عن اسم اللطيفِ في نونيته: 
وهوَ اللَّطِيفُ بِعَبْدِهِ وَلِعَبْدِهِ...... واللطفُ في أوصافِهِ نَوْعَانِ 
إدراكُ أسرارِ الأمورِ بِخِبْرَةٍ....واللطفُ عندَ مَوَاقِعِ الإحسانِ 
فَيُرِيكَ عِزَّتَهُ وَيُبْدِي لُطْفَهُ..... والعبدُ في الغَفَلاتِ عنْ ذا الشَّانِ


*قال الشعراوي-رحمه الله-:اللطيف هو الذي إذا ناديته لبّاك، وإذا قصدته آواك، وإذا أحببته أدناك، وإذا أطعته كافاك،وإذا أعطيته وأقرضته من فضله وماله الذي منحك عافاك،وإذا أعرضت عنه داعاك،وهوالذي يجازيك إن وفيت،ويعفو عنك إن قصرت،وهو الذي منْ افتخر به أعزه، ومنْ افتقر إليه أغناه،هو الذي عطاؤه خير،ومنعه ذخيرة،أي أنه لو منع عبده شيئاً فإنَّه يدخره له في الآخرة،كل هذه مظاهر للطف تحدث بها العلماء عن معني اللطيف،وهذا مناسب لقوله الحق:(لا تُدْرِكُهُ الأبصارُ)فإنَّ لطفه سبحانه يتغلغل فيما لا نستطيع أن ندركه،وحين تحلل أنت أي أمر قد لا تصل إلى فهم النعمة،وإن وصلت فأنت لا تقدر أن تؤدي الحمد على تلك النعمة.

|اسم اللَّطيف في القرآن الكريم

ورد اسم اللَّطيف في القرآن الكريم سبع مراتٍ:
*(لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ .)( سورة الأنعام:١٠٣)
*(أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ.)(سورةالملك:١٤)
*(وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا.)(سورة الأحزاب:٣٤)
*(يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ )(سورة لقمان:١٦)
*﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (سورة يوسف:100)
*﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ.﴾ (سورة الحج:63)
*﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ.﴾ (سورة الشورى:١٩)

 |لُطفُ اللهِ بعباده

الله-سبحانه وتعالي- لطيفٌ بعباده،فلذا يجب علي مسلمٍ أنْ يلجأ لكنفِ الله،فليس لنا إلا الله،وهو-سبحانه- أقرب إلينا من أنفسنا،وأنْ نطلب عونه ولطفه بصدق في كل الأمور،واللهُ-سبحانه-يتقرب إلينا إنْ صدقنا في تقربنا إليه،وليس العجب من فقيرٍ يتودد،ولكنَّ الأعجب من غني يتحبب ولله المثل الأعلى،وتتجلى أسمى معاني اللطف من الله-عزَّ وجل-عندما تمرَّدت السماوات والأرض والجبال والبحار على ابن آدم وأرادت إهلاكه؛لأنَّ تلك المخلوقات كلها تسبح بحمد الله،وتشكر فضله دائمًا،وابن آدم منهم منْ لا يسبح بحمد ربه،ومنهم منْ لا يشكر الحق علي فضله ونعمه،فرد اللَّطيف سبحانه بأسمي معاني اللطف والرحمة بعباده.يقول الله-سبحانه-في الحديث القدسي"كل يوم تقول الأرض: دعْني يا ربِّ، أبتلع ابن آدم؛ إنه أكَل من رزقك ولم يشكرك، وتقول البحار: يا ربِّ، دعني أُغرق ابن آدم؛ إنه أكل من رزقك ولم يشكرك، وتقول الجبال: يا ربِّ، دعني أُطبق على ابن آدم؛ إنه أكل من رزقك ولم يشكرك، وتقول السماء: يا ربِّ، دعني أنزل كسفًا على ابن آدم؛ إنه أكل من رزقك ولم يشكرك، فيقول الله عز وجل لهم: يا مخلوقاتي، أأنتم خلقتموهم؟ يقولون: لا يا ربَّنا, قال الله: لو خلقتموهم لرحمتموهم. دعوني وعبادي، مَن تاب إلي منهم، فأنا حبيبهم،ومَن لم يتب،فأنا طبيبهم،وأنا إليهم أرحم من الأمِّ بأولادها،فمن جاءني منهم تائبًا،تلقيته من بعيد مرحبًا بالتائبين ،ومَن ذهب منهم عاصيًا، ناديتُه من قريب:إلى أين تذهب؟أوجدت ربًّا غيري؟أم وجدت رحيمًا سواي؟"
 ومِن لُطف الله بعباده أنَّ كل ما يصيب من هموم وأمراض وأحزان وأكدار وأوجاع الفقد في الدنيا يكفر اللهُ بها للعبد الفقير ذنوبه فالله يريد أن يُطهر عبده من كل ذنب،وأنْ يرفع درجاته عنده،ولهذا يجب علينا التسليم لأمره وقضائه فهو العالم بنا وبأحوالنا وبخفايا الأمور،وله تدبيره-سبحانه-،وقد يري الإنسان من منظوره الدنيوي أن في االفقد والبلاء والإبتلاء والهموم والأنصاب هو منع من الله-سبحانه وتعالي- بالرغم أنَّ كل ما يجري في الكون من تدبيره -سبحانه- ولطفه الخفي ملازم للأقداره فلولا لطف الله ما استطاع الإنسان تحمل حتي أقل المصائب والابتلاءات،ويقول سيدنا محمد(صلي الله عليه وسلم) متحدثًا عن لُطف الله بعباده:( ما أصاب المؤمن من هم ولا غم ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله من خطاياه.)(صحيح مسلم.)،وقال(صلي الله عليه وسلم) عند عيادة أم العلاء في مرضها محدث إياها عن لُطف الله ورحمته بعبده المريض:(أبشري يا أم العلاء فإنَّ مرض المسلم يذهبُ الله به خطاياه،كما تذهب النارُ خبث الذهب والفضة.)(أخرجه أبو داود والطبراني وصححه الألباني)،فألطاف الله الخفية لا تفارقنا،ولكن قد نعجز عن مشاهدة تلك الألطاف،ويقول الإمام علي-كرَّم الله وجهه-عن ألطاف الله الخفية:


وَكَم لِلّهِ مِن لُطف خفي .... يَدِقُّ خَفاهُ عَن فَهمِ الذَكيِّ

وَكَم يُسرٍ أَتى مِن بَعدِ عُسرٍ .... فَفَرَّجَ كَربَهُ القَلبُ الشَجيِّ
وَكَم أَمرٍ تُساءُ بِهِ صَباحًا .... وَتَأتيكَ المَسَرَّةُ بِالعَشيِّ
إِذا ضاقَت بِكَ الأَحوالُ يَوماً .... فَثِق بِالواحِدِ الفَردِ العَلِيِّ
تَوَسَّل بِالنَبِي في كُلِ خَطبٍ .... يَهونُ إِذا تُوُسِّلَ بِالنَبيِّ

وَلا تَجزَع إِذا ما نابَ خَطبٌ .... فَكَم لِلّهِ مِن لُطفٍ خَفيّ

|لطفُ اللهِ بموسى -عليه السلام-


تتجلى صور اللطف ف قصة سيدنا موسى-عليه السلام- حين أوحي الله-سبحانه-إلي أم موسي-عليه السلام- أنْ تلقيه في اليم؛لأنها كانت خائفة عليه من فرعون وجنوده،فألقت به وهو رضيعٌ في اليم،وانتقل من معيتها إلي معية الله-سبحانه وتعالي-فحفَّه لُطف الله وعنايته،ووصل إلي قصر فرعون،وألقى الله في قلب زوجة فرعون حب هذا الرضيع،وتربى في قصره،وتحت نظره،وسخَّر فرعون لرعايته،وحرم الله عليه المراضع كلها،حتي يأتي الله بأمه لكي ترضعه،وتطمئن عليه،فما كانت خائفة منه عندما حلت عناية الله بها وبابنها وجرت ألطافه مع أقداره،حفظ الله لها ابنها،ورده إليها.ويقول الحلاجُ عن لُطف الله بموسي-عليه السلام-:


ما حيلةُ العبد والأقدار جاريةٌ عليه في كل حال أيها الرائي 
ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له إياك إياك أنْ تبتل بالماء.
فرد عبد الغني النابلسي عليه وقال:



إن حَفّهُ اللطف؛ما مَسَّهُ بللٌ
وما عليه بتكثيف وإلقاء
وإنْ يكن قدر المولى له غرقًا
فهو الغريق،وإنْ ألقي بصحراء!
 ........................................

"المراجع"

(١)شرح اسم الله تعالي اللطيف د.أيمن عبد الله الشقاوي.
(٢)فتح القدير(٤/٢٣٩).
(٣)تفسير أسماء الله الحسني للسعدي(ص٢٢٥).
(٤)تفسير أسماء الله الحسني للزجاج(ص٤٤).
(٥)شفاء العليل(ص٣٤).

والله أعلم.
                      إذا أعجبك المحتوى فضلاً شاركه مع أصدقائك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

روابط الصفحات الاخرى

عن الموقع في سطور

نقدم هذه المنصة الفكرية “7 كلمات” للجمهور الكريم مفعمة بمقالات معرفية وفيديوهات توعوية وكتابات متخصصة و كثير من المعلومات في مجالات متعددة منها الدينية والاجتماعية والتاريخية والتكنولوجية تحمل بمضمونها الريادة والإبداع والقيادة والتحفيز ومعاصراً للأحداث في عالمنا.
إقرأ المزيد

أخترنا لكم